الغزالي
178
إحياء علوم الدين
واستجلاب العازب من الأفكار ، وحدة الكالّ من الأفهام والآراء حتى يثوب ما عزب وينهض ما عجز ، ويصفو ما كدر ، ويمرح في كل رأى ونية ، فيصيب ولا يخطئ ، ويأتي ولا يبطئ ، وقال آخر . كما أن الفكر يطرق العلم إلى المعلوم ، فالسماع يطرق القلب إلى العالم الروحاني ، وقال بعضهم : وقد سئل عن سبب حركة الأطراف بالطبع على وزن الألحان والإيقاعات ، فقال : ذلك عشق عقلي ، والعاشق العقلي لا يحتاج إلى أن يناغى معشوقه بالمنطق الجرمي ، بل يناغيه ويناجيه بالتبسم ، واللحظ ، والحركة اللطيفة بالحاجب والجفن والإشارة ، وهذه نواطق أجمع إلا أنها روحانية ، وأما العاشق البهيمي ، فإنه يستعمل المنطق الجرمي ليعبر به عن ثمرة ظاهر شوقه الضعيف ، وعشقه الزائف ، وقال آخر من حزن فليسمع الألحان ، فإن النفس إذا دخلها الحزن خمد نورها ، وإذا فرحت اشتعل نورها ، وظهر فرحها فيظهر الحنين بقدر قبول القابل ، وذلك بقدر صفائه ونقائه من الغش والدنس والأقاويل المقررة في السماع والوجد كثيرة ، ولا معنى للاستكثار من إيرادها ، فلنشتغل بتفهيم المعنى الذي الوجد عبارة عنه فنقول : إنه عبارة عن حالة يثمرها السماع ، وهو وارد حق جديد عقيب السماع يجده المستمع من نفسه ، وتلك الحالة لا تخلو عن قسمين ، فإنها إما أن ترجع إلى مكاشفات ومشاهدات ، هي من قبيل العلوم والتنبيهات ، وإما أن ترجع إلى تغيرات وأحوال ليست من العلوم ، بل هي كالشوق والخوف ، والحزن والقلق ، والسرور والأسف ، والندم والبسط والقبض ، وهذه الأحوال يهيجها السماع ويقويها ، فإن ضعف بحيث لم يؤثر في تحريك الظاهر ، أو تسكينه ، أو تغيير حاله حتى يتحرك على خلاف عادته ، أو يطرق أو يسكن عن النظر ، والنطق والحركة على خلاف عادته لم يسم وجدا وإن ظهر على الظاهر سمى وجدا ، إما ضعيفا ، وإما قويا ، بحسب ظهوره وتغييره للظاهر وتحريكه بحسب قوة وروده ، وحفظ الظاهر عن التغيير بحسب قوة الواجد وقدرته على ضبط جوارحه ، فقد يقوى الوجد في الباطن ، ولا يتغير الظاهر لقوة صاحبه ، وقد لا يظهر لضعف الوارد وقصوره عن التحريك ، وحل عقد التماسك ، وإلى معنى الأول أشار أبو سعيد بن الأعرابي حيث قال في الوجد : إنه مشاهدة الرقيب ، وحضور الفهم